الأخبار المحلية

إعلامي* أ/شاذلي عبدالسلام محمد *عندما ينطفئ النور*مح

*رأي إعلامي*

أ/شاذلي عبدالسلام محمد

*عندما ينطفئ النور*🔹الحياة بحر متلاطم الأمواج نركب مراكبها بلا خرائط نبحر فيها دون يقين حتى تضعنا الأقدار على شواطئ الفناء هناك حيث يسكن الصمت الأبدي تنحني الأرواح أمام حتمية الموت ذلك القانون السرمدي الذي لا يستثني أحدا وفي لحظة لم يكن العالم مستعدا لها انطفأ نجم آخر في سماء السودان رحل السفير ولاعب المنتخب السوداني الأسطوري الدكتور حيدر حسن حاج الصديق الذي عرف في وجدان الشعب باسم علي قاقرين……

🔹الخبر نزل على قلوب السودانيين كالصاعقة إذ أن رحيله لم يكن مجرد فقدان جسد بل كان انطفاء لنور ظل يشع في الملاعب والميادين السياسية والدبلوماسية كيف لاوهو الذي حمل شرف الكرة السودانية عاليا وجمع بين الرياضة والديبلوماسية في معادلة نادرة؟ كيف لا وهو الذي جسد في حياته كل معاني الكفاح والنبل فكان لاعبا استثنائيا وسفيرا ملهما وإنسانا يفيض شهامة وأخلاقا؟….

🔹ولد قاقرين عام 1949 في حي العرب بأم درمان ذلك الحي الذي خرج أساطير خلدها التاريخ في مختلف المجالات و نشأ في بيئة تذوب فيها كرة القدم في تفاصيل الحياة اليومية فكانت المستديرة الساحرة مصيره المحتوم و بدأ مسيرته الكروية في أشبال المريخ عام 1963 ثم انتقل إلى الهلال عام 1966 حيث نقش اسمه بحروف من ذهب في سجلات النادي الأزرق وأصبح أحد أبرز لاعبيه على مر العصور وكان “قاقرين ” لا يعرف إلا التقدم نحو الأمام يسابق الريح يحفر طريق المجد بقدميه ويرسم البهجة على وجوه الجماهير…..

🔹قاقرين لم يكن مجرد لاعب كرة قدم، بل كان فنانا يبدع بقدميه كما يبدع الرسام بريشته و كان يركض في الملعب كأنه جزء من الريح يراوغ كأنه ظل خادع و يسجل الأهداف كما لو كان يعزف سيمفونية مقدسة و كانت الجماهير تهتف باسمه لا لأنه كان يسجل الأهداف فقط بل لأنه كان رمزا للفخر، نموذجا للروح القتالية واللعب النظيف وأيقونة لكرة القدم السودانية التي لمعت في أزمنة لم تكن تفتقر إلى النجوم….

🔹لكن قاقرين لم يكن مجرد لاعب كرة موهوب بل كان عقلا مفكرا وقلبا نابضا بالوطنية وحين أدرك أن للمجد أبوابا أخرى قرر أن يكمل رحلته في مساحات أرحب فالتحق بالسلك الدبلوماسي حيث عمل سفيرا للسودان في الجزائر ثم في الكونغو فكان كما عهدناه دوما أنيقا في حضوره لبقا في حديثه حاسما في قراراته ومخلصا لوطنه فالدبلوماسية مثل كرة القدم تحتاج إلى سرعة البديهة والقدرة على المناورة ومعرفة متى تهاجم ومتى تدافع وقاقرين كان يجيد كل ذلك سواء كان داخل الملعب أو في دهاليز السياسة…..

🔹في سفارات السودان بالخارج كان صوت السودان في المحافل الدولية كان الجسر الذي يربط بين ثقافات الشعوب والسفير الذي لم يتنازل عن شرف تمثيل بلاده بأبهى صورة وفي لحظات كان يمكن أن تغريه المناصب ظل الإنسان البسيط نفسه ذلك الذي لا يعرف التكبر ولا يألف التصنع…..

🔹اليوم عندما نتأمل في رحيله يبدو الفقدان ثقيلا كجبل من الأحزان كيف نختزل رجلا بحجم قاقرين في كلمات؟ كيف نصف إحساس أمة كاملة وهي تودع واحدا من أنبل أبنائها؟ الحقيقة أن هناك رحيلا يشبه الغياب المؤقت حيث يترك الراحل أثرا واضحا لا يزول وقاقرين واحد من هؤلاء الذين لن يكون غيابهم محض ظل يتلاشى بل سيكون ضوءا يتجدد كلما استعدنا ذكراه…

🔹هل كان يعلم وهو يودع هذه الدنيا، أن الملايين سيبكونه؟ هل كان يدرك أن اسمه سيظل محفورا في الذاكرة الجمعية ليس فقط كرياضي ودبلوماسي بل كرجل حمل في قلبه محبة الناس وفي روحه عزيمة لا تنكسر؟….

🔹إن الموت هو الإمكانية الوحيدة التي نمتلكها ولا يمكننا تجاوزها و إنه اللحظة التي نواجه فيها وجودنا بكل هشاشته ولكن ماذا لو لم يكن الموت نهاية؟ ماذا لو كان امتدادا للحياة في صورة أخرى حيث لا يموت الإنسان إلا عندما تنطفئ ذكراه؟ إن قاقرين لم يمت لأنه حي في ذاكرة كل من عرفه حي في الملاعب التي شهدت إبداعه وفي أروقة السفارات التي احتضنت عمله وفي قلوب السودانيين الذين لن ينسوا يوما أنه كان واحدا منهم بل وأفضلهم….

🔹الوداع موجع دائما ولكن بعض الوداعات أقسى من غيرها لأنها تحمل في طياتها ألما لا يحتمل رحل قاقرين لكن صورته ستبقى ضحكته ستظل تتردد في الأذهان ومواقفه ستظل تروى كقصص ملهمة وفي الليالي القادمة ستضاء الملاعب باسمه سترفع الدعوات له وسيتذكره كل من عشق الكرة كل من أحب السودان وكل من آمن أن الشرف لا يقاس بعدد الألقاب بل بحجم الأخلاق…

🔹نام قرير العين يا من كنت الرمح الملتهب والمهاجم الفذ والسفير المخلص والإنسان الذي لن تكرره الأيام لك منا الدعاء ولذكراك السلام إنا لله وإنا إليه راجعون…..

🔹الي ان نلتقي….

مرسال نيوز

تهدف مرسال نيوز إلى أن تكون الخيار الأول للقراء الذين يبحثون عن الأخبار الصحيحة والشاملة. تسعى المنصة إلى تقديم محتوى غني بالمعلومات يغطي مختلف المجالات مثل السياسة، الاقتصاد، الثقافة، والرياضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى